الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

398

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

كآبة ، ثمّ قال : واللّه لقد رأيت إثرا من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فما أرى أحدا يشبههم ، واللّه إن كانوا ليصبحوا شعثا غبرا صفرا ، بين أعينهم مثل ركب المغزى ، قد باتوا يتلون كتاب اللّه ، يراوحون بين أقدامهم وجباههم ، إذا ذكروا اللّه مادوا كما يميد الشجر في يوم ريح ، وانهملت أعينهم حتّى تبلّ ثيابهم ، وكأنّهم واللّه باتوا غافلين . يريد أنّهم يستقلّون ذلك ( 1 ) . وقال الثاني : ومن كلامه عليه السّلام في ذكر خيار الصحابة وزهّادهم ما رواه صعصعة بن صوحان العبدي قال : صلّى بنا أمير المؤمنين عليه السّلام ذات يوم صلاة الصبح ، فلمّا سلّم أقبل على القبلة بوجهه يذكر اللّه لا يلتفت يمينا ولا شمالا ، حتّى صارت الشمس على حائط مسجدكم هذا - يعني جامع الكوفة - قيد رمح ، ثمّ أقبل علينا بوجهه عليه السّلام فقال : لقد عهدت أقواما على عهد خليلي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وأنّهم ليراوحون في هذا الليل بين جباههم وركبهم ، فإذا أصبحوا أصبحوا شعثا غبرا ، بين أعينهم شبه ركب المعزى ، فإذا ذكروا الموت مادوا كما يميد الشجر في الريح ، ثمّ انهملت عيونهم حتّى تبلّ ثيابهم . ثمّ نهض عليه السّلام وهو يقول : كأنّما القوم باتوا غافلين ( 2 ) . وروى الثالث صحيحا عن معروف بن خربوذ عن أبي جعفر عليه السّلام قال : صلّى أمير المؤمنين عليه السّلام بالناس الصبح بالعراق ، فلمّا انصرف وعظهم فبكى وأبكاهم من خوف اللّه تعالى ، ثمّ قال : أما واللّه لقد عهدت أقواما على عهد خليلي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وأنّهم ليصبحون ويمسون شعثاء غبراء خمصاء ، بين أعينهم كركب المعزي ، يبيتون لربّهم سجّدا وقياما ، يراوحون بين أقدامهم وجباههم ، يناجون ربّهم ويسألونه فكاك رقابهم من النار ، واللّه لقد رأيتهم

--> ( 1 ) عيون الأخبار لابن قتيبة 2 : 301 . ( 2 ) الارشاد للمفيد : 126 .